محمد سعيد رمضان البوطي

230

فقه السيرة ( البوطي )

الفادح أن يعمد باحث فيحلل مثل هذه الصفات في حياته صلى اللّه عليه وسلم ، دون أن يربطها بمصدرها الأساسي الأول ، وهو نبوته ورسالته صلى اللّه عليه وسلم ، وتلك خطة - كما بيّنا ذلك سابقا - يختارها محترفو الغزو الفكري لشغل المسلمين عن التأمل بنبوته عليه الصلاة والسلام ، ويتلقفها منهم أولئك الذين فاقوا حتى القردة في اتقان فن التقليد الأعمى . رابعا : وأما قصة الإفك ، فإنها حلقة فريدة من سلسلة فنون الإيذاء والمحن التي لقيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أعداء الدين ، ولقد كانت هذه الأذيّة أشد في وقعها على نفسه صلى اللّه عليه وسلم من كل تلك المحن السابقة ، وتلك هي طبيعة الشر الذي يصدر من المنافقين ، فهو دائما يكون أقسى من غيره وأبلغ في المكيدة والضرر ، إذ تكون الفرص والأسباب خاضعة لهم أكثر من غيرهم ، وخبر الإفك صورة فريدة للأذى الذي تفرد به المنافقون . وإنما كانت هذه القصة أبلغ من غيرها في إيذاء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأن كل ما كان قد كابده قبل ذلك من المحن التي تحدثنا عن طرف منها ، أمور كان يتوقعها ، وقد وطن نفسه لقبولها وتحملها ، وليس التقاؤه بها عن طريق الدعوة مفاجأة له ، أما هذه فقد فوجىء بها . . لأنها ليس مما قد اعتاده ، أو توقعه ، إنها اليوم شيء آخر . . إنها شائعة ، لو صحت لكانت طعنة نجلاء في أخص ما يعتز به إنسان ، أخصّ ما يتصف به الشرف والكرامة ، وما الذي أدراه إنها شائعة صحيحة أو باطلة ؟ ! . . من هنا كانت هذه الأذية أبلغ في تأثيرها من كل ما عداها ، لأنها جاءت لتلقي بشعوره النفساني في اضطراب مثير لا مناص منه ، ومع ذلك فلو أن الوحي سارع إلى كشف الحقيقة وفضح إفك المنافقين لكان في ذلك مخلص من هذا الاضطراب والشكوك المثيرة ، ولكن الوحي تلبث أكثر من شهر لا يعلّق على ذلك ، فكان ذلك مصدرا آخر للقلق والشكوك . ومع ذلك فإن محنة الإفك هذه ، جاءت منطوية على حكمة إلهية استهدفت إبراز شخصية النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإظهارها صافية مميزة عن كل ما قد يلتبس بها ، إن معنى النبوة في حياته صلى اللّه عليه وسلم كان من المحتمل أن يبقى مشوبا في وهم بعض المؤمنين به والكافرين على السواء ، لو لم تأت حادثة الإفك هذه لتهز شخصية النبي صلى اللّه عليه وسلم ، هزا قويا يفصل إنسانيته العادية على معنى النبوة الصافية فيه ، ثم لتجلي معنى النبوة والوحي تجلية تامة أمام الأنظار والأفكار ، حتى لا يبقى أي مجال التباس بينه وبين أي معنى من المعاني النفسية أو الشعورية الأخرى . لقد فاجأت هذه الشائعة سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو في طور من إنسانيته العادية ، يتصرف ويتأمل ويفكر كأي أحد من الناس ضمن حدود العصمة المعروفة للأنبياء